حسن بن موسى القادري

56

شرح حكم الشيخ الأكبر

--> - عرفوه مسافة ، وأنا القريب البعيد بلا مسافة ، وأنا أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق ) . هاتف آخر : ( جهلني من أنكرني ، وأنكر شيئا من جميع الوجود ، وكيف يدّعي عبادي معرفتي وأنا إذا تجلّيت لهم في الآخرة ! ينكرون ربوبيّتي ، ويتعوّذون منها ، وبها يتعوّذون ، ولكن لا يشعرون ، ويقولون لذلك التجلي : نعوذ باللّه منك ، وها نحن لربّنا منتظرون ، فحينئذ أخرج عليهم في الصورة التي لديهم فيقرّون لي بالربوبية ، وعلى أنفسهم بالعبودية ، فهم لعلامتهم عابدون ، وللصورة التي تقررت عندهم مشاهدون . فمن قال منهم أنه عبدني فقوله زور ، وكيف يصحّ له دعوى أنه عبدني ! وعندما تجلّيت له في الآخرة أنكرني ، فقد قيّدني بصورة دون صورة ، فهو عابد وثن ، وهو جاحد لي ، وإن لم يقيّدني لم يحصرني ، ومن لم يحصرني لم يعرفني ) . هاتف آخر : ( متى رأيت نفسك ثابتا ولم ترني في الرؤية مثّبتا حجب عنك وجهي ، وأسفر لك وجهك ، فانظر ما بدا لك ، وما توارى عنك ، وإن لم تجعل كلما بدا ويبدو وراء ظهرك لم تفلح ، وإذا لم تفلح لم تجتمع عليّ ، وإذا لم تجتمع عليّ لم ترني ، وإذا لم ترني لم تكن بي ) . هاتف آخر : ( ما خلقت لك وجهين إلا لتنظرني بوجه ، وتنظر ذاتك بالوجه الآخر ، لكن مع أيّ وجه توجهت إليه غبت عن الآخر ، غير أن هنا لطيفة أنبّهك عليها ، وذلك أنك إذا توجّهت إلى مشاهدة وجهك غبت عن وجهي وعن وجهك . فإذا انقلبت إليّ فنى عنك وجهك ، فصرت غريبا في الحضرة ، تستوحش فيها ، وتطلب وجهك ، الذي كنت تأنس به ، فلا تجده ، وإن توجّهت إلى وجهي وتركت وجهك أقبلت عليك ، ولم يكن لك مؤنس غيري ، ولا مشهود إلا إيّاي . فإذا انقلبت إلي الانقلاب الخاص الذي لا بدّ لكلّ إنسان منه وجدتني أنيسا وجليسا وصاحبا ، ففرحت بلقائي ، وتتذكر أنك الماضي ، فتزداد أنسا إلى أنس ، وترى عندي وجه ذاتك ، ولا تفقده ، فتجمع بين الوجهين في صورة واحدة ، فيعظم الابتهاج والسرور ، ولكن كل ذلك الفرح والسرور إنما هو بغيري لا بي ، فإنك لم تعرفني ، وأنا لا أنا جسم ولا أنا معنى ) . هاتف آخر : ( كلّ ما جمعك على المعرفة فهو معرفة ، ولكن غاية المعارف كلها تنتهي إلى الجهل بي ، فإن كل شيء يستدل به على معرفتي يشهد لي بأنه ليس كمثلي شيء ، وذلك أقصى علمه ، وغاية معرفته ، وكل شيء في العالم لا تتعدى دلالته نفسه ، ولو بلغ في أعلى مراتب القرب منّي ) . هاتف آخر : ( كيف يدّعي عارف معرفتي ويحكم عليّ بعلمه ! وأنا إذا شئت تنكّرت بما به تعرّفت ، وأجهلت بما به أعلمت ، وليس العارف بي إلا الذي يقول : ( سبحان من لا تعرفه المعارف ، ولا تعلمه المعلومات ) ، فإن المعارف إنما هي نور من أنواري ، والمعلومات إنما هي كلمة من كلماتي ) . هاتف آخر : ( لا تخرج من بيتك إلا إليّ ولا تدخل بيتك إلا إليّ تكن في ذمّتي وجواري ، واعلم أنه لا يدخل عليّ بالأجسام ، ولا تدرك معرفتي بالأوهام ، فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني ، فإذا ذهبت عن المعاني صلحت لمعرفتي ) . -